ابن أبي الحديد
312
شرح نهج البلاغة
عن نصرتي ، ويقول لهم هذه هي الفتنة التي وعدنا بها ، فقطعوا أوتار قسيكم وشيموا سيوفكم ، أي اغمدوها فإن كان صادقا فما باله سار إلى ، وصار معي في الصف ، وحضر حرب صفين ، وكثر سواد أهل العراق وإن لم يحارب ، ولم يسل السيف ، فان من حضر في إحدى الجهتين وإن لم يحارب كمن حارب ، وإن كان كاذبا فيما رواه من خبر الفتنة فقد لزمته التهمة وقبح الاختلاف إليه في الحكومة ، وهذا يؤكد صحة إحدى الروايتين في أمر أبى موسى ، فإنه قد اختلفت الرواية هل حضر حرب صفين مع أهل العراق أم لا فمن قال حضر ، قال : حضر ولم يحارب ، وما طلبه اليمانيون من أصحاب علي عليه السلام ليجعلوه حكما كالأشعث بن قيس وغيره الا وهو حاضر معهم في الصف ، ولم يكن منهم على مسافة ، ولو كان على مسافة لما طلبوه ، ولكان لهم فيمن حضر غناء عنه ، ولو كان على مسافة لما وافق علي عليه السلام على تحكيمه ، ولا كان علي عليه السلام ممن يحكم من لم يحضر معه . وقال الأكثرون انه كان معتزلا للحرب بعيدا عن أهل العراق وأهل الشام . فان قلت فلم لا يحمل قوله عليه السلام ( فإن كان صادقا فقد أخطأ بسيره غير مستكره ) على مسيره إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأهل العراق حيث طلبوه ليفوضوا إليه أمر الحكومة ؟ قلت لو حملنا كلامه عليه السلام على هذا لم يكن لازما لأبي موسى ، وكان الجواب عنه هينا ، وذلك لان أبا موسى يقول إنما أنكرت الحرب وما سرت لأحارب ولا لأشهد الحرب ، ولا أغرى بالحرب ، وإنما سرت للاصلاح بين الناس ، وإطفاء نائرة الفتنة ، فليس يناقض ذلك ما رويته عن الرسول من خبر الفتنة ، ولا ما قلته في الكوفة في واقعة الجمل : ( قطعوا أوتار قسيكم ) .